محمد غازي عرابي

668

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ النور : 6 ، 10 ] في غياب العالم الظاهري لا شهادة للإنسان إلا نفسه لأنها باطنه ، فكل متحرك في هذا الوجود تحرك بباطنه الذي هو نفسه ، فهي الأصل . . ولهذا كانت شهادة النفس في حال غياب العدد ، أربع شهادات ، والعدد حدد رمزا ، أما حقيقته فالخروج من الواحد إلى الكثرة ، والأصل الواحد . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 11 إلى 20 ] إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ ( 12 ) لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 13 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 14 ) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( 15 ) وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 17 ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 ) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 19 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 20 ) [ النور : 11 ، 20 ] حديث الإفك حادث معروف ، وفيه أسوأ الكذب على عائشة أم المؤمنين لما تخلفت عن الجيش في غزوة تبوك لتلتمس عقدا لها أضاعته ، وكانت ترافق رسول اللّه في هذه الغزوة ، فلما رجعت وجدت القافلة سبقتها فجلست تنتظر عودتهم ، فإذا رجل قد أدلج وهو صفوان ، فرآها فعرفها ، فأناخ راحلته فحملها حتى لحق بالجيش . والمعنى البعيد للحادثة أن عائشة رضي اللّه عنها رمز المعنى الذي تطلبه الكثرة ، ثم تقذفه بالشبهات إذا وجدته ، وما لهم من دليل على حقيقته سوى الظن والرجم بالغيب . . . والإشارة إلى أن ما يحصله الفكر قد يصيب الحقيقة وقد يخطئها ، وقد يصيب بعضها ، كما قال النبي لأبي بكر لما تأول رؤيا رآها : أصبت بعضا وأخطأت بعضا ، فالفكر ليس حجة ، ومنطقه ليس علما موثوقا كما تقول الفلاسفة ، إنما العلم الحقيقي والحجة لما يكشف للنفس ، وتنكشف هي عنه في مجال البصيرة . وقليلون الذين عرفوا لماذا ألحق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حديث الإفك بسورة النور ، والسبب أن النبي أشار إلى دور النفس وحدها في معرفة الحقيقة ، وأنه لا يجوز لأحد أن يكذب النفس ما